صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
19
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ فهؤلاء القوم وهم الصديقون ينظرون بنور الله في جميع الأشياء ويستشهدون بالحق على ما سواه لا بغيره عليه فيبرهنون بالنظر في طبيعة الوجود وأنه واجب أو ممكن على إثبات واجب الوجود فهو البرهان على ذاته ثم النظر فيما يلزم الوجوب والإمكان يبرهنون على وحدانيته وسائر صفاته فهو البرهان على كل شيء صدور أفعاله عنه واحدا بعد واحد فهو البرهان على كل شيء على الترتيب العقلي والمعلولي فبراهين هذا المسلك مأخوذة من مقدمات ضرورية دائمة على الإطلاق لا أنها ضروريات بحسب وقت ما وما دامت ذات ما ولولا عجز النفوس لأمكن الاكتفاء بهذا العلم على هذا المنهج عن سائر العلوم في معرفة كل شيء حتى الجزئيات والزمانيات فإنه يمكن معرفتها من جهة العلم بأسبابها وعللها بأن ينظر في طبيعة الوجود ولوازمها ولوازم لوازمها وأقسامها وأقسام أقسامها وكذا إلى أن ينتهي في اللوازم والأقسام إلى الجزئيات والمتغيرات فيعلم بأسبابها وأسباب أسبابها علما ثابتا غير زماني على الوجه الكلي من قبيل استثناء الشرطيات أنه متى كان كذا كان كذا فهذا هو العلم بالجزئيات على الوجه الكلي لكن النفوس البشرية قاصرة عن سلوك هذا المنهج في التفاصيل الجزئية وضبط أقسامها ومبادي تقسيماتها والإحاطة بأطرافها فيأخذ في استيناف موضوع آخر تحت مطلق الوجود كموضوع الطبيعيات أو الرياضيات أو الخلقيات والمنطقيات فيبحث عن أعراضه الذاتية وأحواله الكلية الشاملة لأفراده لا الكلية على الإطلاق بل الكلية المختصة به ثم ربما يعجز عن سلوك طريق اللم في معرفة جميع الأحوال المختصة بقسم واحد من أقسام الوجود المطلق كالجسم الطبيعي في علوم الطبيعيين وكالكم في علوم الرياضيين بل يحتاج في معرفة سائر الأحوال التي هي بعد الأحوال الكلية الشاملة لجميع الأفراد لذلك الموضوع إلى استيناف موضوع آخر تحت الموضوع الأعم كعلم الطب تحت الطبيعي الباحث عن الأحوال الكلية المختصة بالموضوع الذي هو بدن الإنسان من حيث يصح ويمرض وكعلم المناظر تحت الهندسة وربما ينزل الباحث عن هذه المرتبة أيضا فيجعل الموضوع أخص من الأخص لعجزه عن النظر في أحواله الخاصة الغير الشاملة على الوجه الكلي الذي يرجع إلى حال ذلك الموضوع الجزئي الواقع إلى حال موضوع أخص من ذلك الموضوع الجزئي كعلم أمراض العين تحت علم الطب وكعلم الهالة والقوس تحت علم المناظر قوله ونعني بالطبيعة إلى آخره لفظ الطبيعة كما ذكره الشيخ في رسالة الحدود والرسوم يطلق بالاشتراك على معان منها القوة التي هي مبدأ أول لحركة ما هي فيه وسكونه بالذات لا بالعرض وتلك القوة هي عين الصورة النوعية في بعض الأجسام البسيطة والمركبة وغيرها في ذوات النفوس من الأجسام لأن صورها النوعية نفوسها كما هو التحقيق دون طبائعها ومنها مهية الشيء وصورته الذاتية ومنها الحركة التي عن الطبيعة والأطباء يطلقون لفظ الطبيعة على المزاج وعلى الحرارة الغريزية وعلى القوة النباتية وكلها غير المعنى المراد هاهنا لأنها عبارة عن مجموع الشيء الحادث حدوثا ذاتيا أو زمانيا عن المادة الجسمانية والطبيعة بالمعنى الأول والأعراض وقوله فقد قيل إلخ تأييد واستشهاد على صحة المراد قوله ومعنى بعد الطبيعية إلى آخره للأشياء وجود في أنفسها ووجود بالقياس إلينا أما ترتيب وجودها في أنفسها فالأول هي المعقولات ثم المتخيلات والموهومات ثم المحسوسات وأما ترتيب وجودها بالقياس إلينا فالأول المحسوسات ثم المتخيلات والموهومات ثم المعقولات ولهذا قيل من فقد حسا فقد علما لأن وجودنا أيضا يبتدئ من المحسوسات فإذا تمت خلقتنا المحسوسات فاضت علينا من المبدإ الفياض أنوار الحياة وقوى النفس الحيوانية المدركة للجزئيات الخيالية والوهمية وإذا تمت فينا الحيوانية على التدريج فاضت علينا أنوار العقل وقوى النفس العاقلة المدركة للكليات والمفارقات العقلية والمدرك لا يكون إلا من جنس المدرك ولما كان ترتيب وجود الإنسان لكونه واقعا في سلسلة العود إلى غاية الوجود على عكس ترتيب الأشياء الصادرة عن الحق الواقعة في سلسلة البدو من مبدأ الوجود فلا جرم كان حدوث علمه بالأشياء على نسق حدوث وجوده والعلم بالشيء ليس إلا وجوده للعالم فكان وجود المحسوسات والمتخيلات له قبل وجود المعقولات فلهذا يسمى علم بها علم ما بعد الطبيعة قوله ولقائل أن يقول الأمور الرياضية المختصة إلى آخره المراد من الرياضية المختصة ما لا يكون المادة المخصوصة معتبرة في قوام حقيقته كالفلك في علم الهيئة والهواء المكيفة بالنغمات والإيقاعات الصوتية في الموسيقى وذلك هو العدد المحض المبحوث عنه في علم الحساب والمقدار المحض المنظور فيه في علم الهندسة ومنشأ السؤال وإن كان أمرا لفظيا هو سبب التسمية لكن لما ذكر أن موضوع هذا العلم هو الأمور التي لا يتعلق بالطبيعة ودل بحسب المفهوم على أن غيره من العلوم ليس كل مورد السؤال عليه بأن علمي الحساب والهندسة أيضا مما يبحث عما لا تعلق لوجوده بالطبيعة أما الحساب فلأن موضوعه العدد وهو كسائر الأمور العامة التي لا تعلق لوجودها ولا لحدودها بالطبيعة وأما الهندسة فإن موضوعها المقادير المحضة المجردة عن المادة حدا ووهما وخارجا أما تجردها بحسب الماهية والحد فظاهر وكل بحسب الوجود الوهمي وأما تجردها في الوجود الخارجي فكما عند بعضهم ممن يرى أن للتعليمات وجودا مفارقا عن عالم